كيف نميّز بين المفيد والضار في الغذاء؟ رؤية “نظام الطيبات” بين الفطرة والتجربة الجسدية
في عالمٍ تتكاثر فيه النظريات الغذائية وتتشابك فيه المعايير بين ما هو علمي وما هو تجريبي، يبرز الدكتور ضياء العوضي برؤية مختلفة تضع الجسد الإنساني في قلب التجربة، لا في هامشها.
فبدل أن يُترك الإنسان غارقًا بين جداول التغذية وأرقام التحاليل، يدعو هذا الطرح إلى العودة إلى الإحساس المباشر الذي يمنحه الجسد بعد كل طعام: راحةً كانت أم اضطرابًا، خفةً أم ثِقلاً.
ومن هنا، ينطلق “نظام الطيبات” ليعيد طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره:
هل يحتاج الإنسان دائمًا إلى وسيط علمي ليُدرك ما يناسبه، أم أن جسده نفسه هو أول مرجع يمكن الاعتماد عليه في التمييز بين النافع والضار؟
كيفية معرفة ما هو مفيد وما هو ضار
يرى د. ضياء العوضي أن الجهاز الهضمي هو الجهاز الوحيد الذي وُضع تحت إدارة الإنسان المباشرة؛ إذ يعتمد على مدخلات ومخرجات واضحة، ويمكن من خلال استجابته فهم طبيعة الغذاء وتأثيره.
ومن هذا المنطلق، لا يُشترط دائمًا الرجوع إلى الطبيب أو الجداول الغذائية لمعرفة ما يناسب الإنسان، بل يمكن الاعتماد على استجابة الجسد نفسه.
فإذا تناول الإنسان نوعًا من الغذاء مثل الجرجير وظهرت لديه أعراض كـالانتفاخات أو الغازات أو التقلصات، فإن هذا يُفهم في إطار هذا الطرح على أنه إشارة لعدم ملاءمته للجسم.
وكذلك إذا تناول الخبز وظهرت اضطرابات هضمية، فإن ذلك يدل على وجود مشكلة في تقبّل هذا النوع من الغذاء بالنسبة لهذا الفرد.
مبدأ الامتناع في نظام الطيبات
يقوم “نظام الطيبات” على فكرة أساسية وهي الامتناع عن ما يسبب الضرر، حيث يُنظر إلى التحسن الصحي على أنه نتيجة مباشرة للتوقف عن الأطعمة التي تُحدث اضطرابًا في الجسد. أي أن التجربة الشخصية للجسم تصبح معيارًا أساسيًا في الاختيار الغذائي.
تمييز داخل نفس الفئة الغذائية
من النقاط المهمة في هذا الطرح أنه لا يتم التعامل مع جميع الأطعمة ضمن الفئة الواحدة بشكل متساوٍ، بل يتم التفريق بينها بناءً على طبيعتها. على سبيل المثال:
● الخبز الأبيض: يُنظر إليه باعتباره مصنوعًا من دقيق مكرر، وقد يكون سببًا لعدة اضطرابات صحية حسب هذا التصور.
● خبز الحبة الكاملة أو الخبز البلدي: يُعتبر أقرب إلى حالته الطبيعية مقارنة بالخبز الأبيض، وبالتالي يختلف عنه في التأثير.
هذا التمييز يعكس فكرة أساسية في نظام الطيبات، وهي أن الاسم الغذائي الواحد لا يعني بالضرورة تأثيرًا واحدًا على الجسم.
إشكالية الصحة رغم التنوع الغذائي
يطرح هذا التصور سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للإنسان أن يتناول أنواعًا متعددة من الطعام، ويظن أنه يحصل على تغذية متكاملة، ومع ذلك يستمر في المعاناة من أمراض أو اضطرابات صحية؟
من هنا، يُعاد النظر في مفهوم “التغذية الكاملة”، حيث لا يُقاس الأمر فقط بتنوع الأطعمة، بل أيضًا بكيفية تفاعل الجسد معها على المدى الطويل.
المرض بين الواقع والتجربة
يرى هذا الطرح أن المرض ليس حالة دائمة أو ملازمة لكل الناس، بل هو متغير يظهر ويختفي. ويُستشهد في هذا السياق بمعانٍ دينية تشير إلى وجود الاستثناء في الحالات الصحية، مثل قوله تعالى: “فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر”، للدلالة على أن المرض حالة ظرفية وليست أصلًا ثابتًا.
وفي المقابل، يُلاحظ أن بعض الأمراض المزمنة قد تستمر لسنوات طويلة لدى بعض الأشخاص، مثل مرض السكري، دون توقف. وهنا يُطرح تساؤل ضمن هذا السياق:
كيف يمكن فهم هذا الاستمرار في إطار طبي أو روحي، وهل يمكن تشبيهه ببعض النماذج الإنسانية في الصبر على المرض، مثل قصة نبي الله أيوب عليه السلام؟
في المجمل، يدعو “نظام الطيبات” إلى إعادة الاعتبار للجسد كمرجع أولي في فهم الغذاء، والاعتماد على التجربة الشخصية كأداة لتحديد ما يناسب الإنسان وما لا يناسبه، مع إعادة النظر في بعض التصنيفات الغذائية التقليدية التي قد لا تعكس دائمًا اختلاف تأثير الأطعمة على الأفراد.
فهو يدعو إلى الإنصات لإشارات الجسد، وإلى فهم الطعام من خلال أثره الفعلي لا من خلال اسمه أو تصنيفه فقط.
وبين الفطرة التي يُنظر إليها كأصل، والتجربة الشخصية التي تُعتبر معيارًا عمليًا، تتشكل هذه المقاربة كدعوة إلى تبسيط العلاقة مع الغذاء، والعودة إلى مبدأ أساسي مفاده أن ما يُصلح الجسد يُقبل، وما يُرهقه يُتجنّب.
وهكذا، يظل “نظام الطيبات” طرحًا يفتح بابًا للتفكير أكثر مما يقدّم إجابات نهائية، ويضع الإنسان أمام مسؤوليته الفردية في فهم جسده واختيار غذائه.