الدقيق الأبيض وصحة الإنسان: مقاربة نظام الطيبات
في قلب النقاشات المعاصرة حول الغذاء والصحة، يبرز الدقيق الأبيض كأحد أكثر المكونات إثارة للجدل، ليس فقط بسبب حضوره الواسع في النظام الغذائي اليومي، بل بسبب ما يُنسب إليه من آثار تتجاوز حدود التغذية إلى عمق التوازن الداخلي للجسم.
ومن هذا المنطلق، يتناول د. ضياء العوضي هذه المادة من زاوية نقدية، تربط بين طريقة تصنيع الغذاء وبين انعكاساته على المنظومة الحيوية للإنسان، معتبرًا أن ما يبدو بسيطًا في شكله قد يحمل تأثيرات معقدة في بنيته ووظيفته داخل الجسد.
وتسعى هذه الرؤية إلى إعادة النظر في المسلمات الغذائية الشائعة، من خلال تفكيك طريقة تفاعل هذا النوع من الغذاء مع أجهزة الهضم والامتصاص، وربط ذلك بسلسلة من التحولات الفسيولوجية التي قد تظهر تدريجيًا داخل الجسم دون أن تُلاحظ في بدايتها
الدقيق الأبيض ونظام الطيبات
من وجهة نظر د. العوضي، فالدقيق الأبيض داخل العيش، سم من السموم. وفقا لاخر الدراسات، فان الدقيق مصدر للسمنة على مستوى العالم. السمنة تسبب التهاب عام في مستمر في كل خلايا الجسم. اذا ازدادت السمنة، تزداد معها السكر وأمراض القلب. وضغط الدم يزداد. ووجدت الدراسات أن نقص الألياف الموجودة في جنين القمح التي يتم التخلص منها في دقيق العيش البلدي أو الفينو ليها دور كبير في التخلص من معظم هذه الأمراض .
دقيق القمح الكامل، مع جنين القمح، لا يذوب في المعدة؛ فهو لا يتحلل، لذا يبقى دائمًا على شكل ألياف صغيرة. ستجده دائمًا على شكل حبيبات، ومعدتك تنقبض باستمرار، ولكنه طري ومفتت، لذا لا يؤثر على الانقباضات على الإطلاق .
نصل إلى الأمعاء الدقيقة، وهي مكان امتصاص وهضم معظم الغذاء. يبلغ طولها نحو ثلاثة أمتار، وتبدأ من الاثني عشر وتنتهي عند صمام يصلها بالأمعاء الغليظة.
الأمعاء الدقيقة مبطّنة من الداخل بملايين البروزات الصغيرة جدًا التي تشبه الأصابع، وتُسمّى الخملات المعوية. وكل خملة تكون مغطاة بدورها ببروزات أدق تُسمّى الخميلات الدقيقة، وهي التي تُشكّل ما يُعرف بـ«الحافة الفرشاتية» (Brush border).
أما الدقيق الأبيض، وبسبب احتوائه على الغلوتين، فقد وُصف بأنه مادة غروية قد تعيق الامتصاص، وعند بعض الأشخاص يُشار إلى ذلك بحساسية أو عدم تحمّل الغلوتين. والفكرة المطروحة هنا تشبّه الأمر بكونه مادة لزجة قد تلتصق بسطح هذه البروزات الدقيقة فتؤثر على حركتها وكفاءتها في الامتصاص .
وبالتالي قد يؤدي ذلك إلى سوء امتصاص لبعض العناصر الغذائية، مثل الدهون والبروتينات. كما يُقال إن النشا والغلوتين قد يلتصقان بهذه البنى الدقيقة.
ولهذا قد يحدث ارتفاع سريع في سكر الدم بعد تناول الخبز الأبيض، لأنه سريع الامتصاص. ويُربط هذا في هذا الطرح بسوء الامتصاص الذي قد يؤدي مع الوقت إلى مشكلات مثل الكبد الدهني، حتى قبل ظهور السمنة أو مرض السكري .
وهكذا، لا يُقدَّم الدقيق الأبيض في هذا التصور كمجرد مكوّن غذائي داخل النظام اليومي، بل كعنصر يُعاد النظر في موقعه داخل المنظومة الحيوية للجسم. فالأثر لا يُقاس بمرحلة الهضم وحدها، بل بما يتولد عنه من تفاعلات تمتد داخل مسارات الامتصاص والتمثّل الداخلي للعناصر الغذائية.
ومن هذا المنظور، يصبح الغذاء مجالًا دقيقًا للتأمل في علاقة الإنسان بجسده، حيث تتقاطع البنية الغذائية مع التوازن الفسيولوجي في إطار واحد لا ينفصل فيه ما يُؤكل عمّا يحدث داخل الجسد من استجابات متسلسلة.